مرحباً بكم في الموقع الأدبي للشاعر حسن الصلهبي
Watch الشاعر حسن الصلهبي .. شاعر حد الشفاف ..فنان بسمو الجمال ، وباتساع الخيال الخلاق تمتد آفاقه.. للكلمة قيمة بقدر وجدانية القصيدة ..إنسانية الأدب ..كونية الفن.. ينز الانفعال قصيدة .. لكن بقلم من التحدي الخالص ..للغة..للشعر.. للشعراء... ياسين الزكري
صفحة البداية إضاءات رؤية في معلقة الصلهبي : ( بين يدي امرئ القيس )

رؤية في معلقة الصلهبي : ( بين يدي امرئ القيس )

إرسال إلى صديق طباعة PDF

رؤية في معلقة الصلهبي : ( بين يدي امرئ القيس )



 بقلم الشاعر والناقد نزار عوني اللبدي


بداية أقول : لم يكن خوض هذه المغامرة النـقدية سهلاً ، فالقصيدة تتكون من مئة بيت وبيت ، وهي زاخرة بالصور الفنية المكثفة ، وثرية بالأفكار والمواقف والطروحات التي تعبر عن همّ الشاعر الإبداعي والثقافي العام والخاص ، ولذلك كان لابد من قراءتها والغوص وراء مكنوناتها ، مرارا ً وتكراراً ، والتأمل في صورها وارتباطاتها ، قبل أن يجرؤ القلم على مقاربة الكتابة عنها .
ولكون الكتابة عن نص ثمين كهذا النص عملاً يتطلب الأناة والتفكير العميق ، فقد رأيت أن أنشر رؤيتي لها على حلقات ، وذلك لما يتطلبه هذا العمل من جهد ، وما يستحقه من اهتمام ، فلم أستطع أن أمرّ بها مرور الكرام ، مختصراً رؤيتي لها في مقال واحد لن يفيها حقها من الدرس والتحليل .
لذلك أرجو من المهتمين بهذا الأمر أن يطيلوا بالهم عليّ ، وأن يتحملوا إطالتي ، وأسال الله أن يوفقني فيما أنا بصدده من البحث ، وأن يجعل فيه ولو بعض الفائدة لمن يريد الفائدة ، فإن وُفّقت فمن الله ، وإن قصرت فمن عندي .

* * *


الحلقة الأولى

المقطع الأول

ليلى

 
خليلـي كـم زاد الهـوى  بالتلـهـفِ
 وكم ماتَ حبٌ في الحشا مـن  تعفـفِ
 
وفتَ وعدها ليلـى ومـا زلـتُ ظامئـاً
 فلستُ مـن البحـرٍ الطويـل بمشتـفِ
 
لورديـةِ الوجنـاتِ قانـيـةِ  الـشـذا
 عناقيـدَ تفـاحٍ علـى كـلِّ مـرشـفِ
 
لهـا مالـت الأفـلاكُ حتـى تمازجـت
 فأولـهـا بــادٍ وآخـرهـا خـفـي
 
جرت خلفها الأيام ، تدنو ، فـلا  تـرى
 سـوى ناهـدٍ مـاضٍ وردفٍ  مخلّـفِ
 
وباطنهـا يـبـدو كـمـرآةِ سـاحـرٍ
 ترى منـه أذيـالَ الظـلامِ  المسجّـفِ
 
تشفُّ عـن الريـحِ الضليلـة ،  ليلهـا
 نهارٌ ، ومـا كـان النهـارُ  بمسـدفِ
 
ومـن طولهـا تُعلـي الجبـال رقابهـا
 ومن قصرها استلقى الحصى من تشوفِ
 
وفـت وعدهـا لكننـي رغـم  لهفتـي
 أجاذبهـا حتـى قضـيـت ولــم أفِ

 

 

 

من عجب أن يؤخذ النص على ظاهره كما يبدو لقارئه في الوهلة الأولى ، فيُدرس المقطع الأول من القصيدة على أنه مجرد مقدمة غزلية للقصيدة ، دون الغوص في ما وراء الصورة البادية للعيان . فالشاعر في مجمل القصيدة غير معني أساساً بالمرأة كياناً إنسانياً ، فالهمّ السائد فيها همٌّ ثقافي عام ، شعريّ خاص ، إبداعي تحديداً ، ومن هنا كان لابد من ارتباط وثيق بين مقدمة القصيدة ومضمونها العام ،فمن المتفق عليه إبداعيا ونقدياً أن مقدمة القصيدة من المفروض أن تكتنـز اللحظة الشعورية المكثفة التي دفعت بالشاعر إلى إبداعها ( أي القصيدة ) ، ومن هذه اللحظة المكثفة تنطلق بقية القصيدة وإليها تعود لتمتح منها بقية صورها في تكاتف عضوي وتكامل فني يمنح القصيدة جمالها وفنيتها المميزة . أتحدث هنا عن الشعر الحقيقي ،كما هو في هذه القصيدة .

والصحيح أن الشاعر لم يكن يتغزل بامرأة ما ، سواء أكانت امرأة حقيقية أم كانت امرأة رمزاً ، أو على عادة الشعراء القدماء في الاستهلال بالغزل ، وحتى هؤلاء ، لم يكونوا يستهلون بالغزل لمجرد الغزل ، فقد كانوا يتخذون منه ـ على الأغلب ـ مطية للتعبيرعن قضايا أخرى يمكن استخلاصها حين النظر في مجمل النص .

وهو ما فعله الشاعر الفذ حسن الصلهبي هنا .

فهو في هذا المقطع الأول ( بين يدي امرئ القيس ) يتغزل ، ولكن (بالقصيدة) التي سيكتبها ، ممهداً بذلك لما سيلي منها من مقاطع .
يصوّر في البيت الأول معاناته التي سبقت كتابتها، فقد كان بين تلهف إلى ذلك ، يزيد هواه في معانقتها ( = كتابتها ) ، وتعفف يميت رغبته في ذلك ، إلى أن : ( وفت وعدها ليلى ) فجاءته تتهادى ، وما زال في ظمأ لها ، فهو لم يرتوِ من وصال ( البحر الطويل ) بعد ،وأنّى له أن يرتوي منه ، فالشاعر الفحل لا يملّ من معاقرة خمر هذا البحر الغني بأنغامه وحركاته وإمكانياته الفنية الكثيرة .

إذن ، وفت وعدها ليلى ( = القصيدة ) وجاءت . فكيف يصفها الشاعر ؟

ـ ( وردية الوجنات / قانية الشذا / شفتاها عناقيد تفاح : اللون الأحمر بدرجات متفاوتة يكسو معالم وجهها ، لون الحياة ، التوقد ، الاشتعال ) .
ـ مالت لها الأفلاك = تريد أن يكون لها نصيب فيها / في الخفي والظاهر منها . كناية عن شمولية استقبال الوجود لها .
ـ جرت خلفها الأيام = تريد الوصول إلى لحظة تشكلها ، وهي لا ترى منها سوى أولها وآخرها .
ـ أما باطنها = حيث يكمن السرّ وتختفي العجائب ، فهو كمرآة ساحر ، وهي ليست كالمرايا التي نعرفها ، فهي لا تعكس، وإنما هي ظلمة مغطاة ( ظلام مسجّف ) . لم يكتف الشاعر بقوله أنها ظلمة ، بل زادها غموضاً ، بتسجيفها / تغطيتها .
ـ على الرغم من هذا الغموض الذي يكتنف هذه المرآة المظلمة ، إلا أنها بين جوانح الشاعر المتشوق لها ( = تشفّ عن الريح الضليـلة ) ، ريح امرئ القيس ( الشاعر الضلّيل ) ، فليلها بالنسبة له نهار : الرؤية بالنسبة للشاعر واضحة جلية / يعي ما يريد أن يقول .

 إذن : وفت وعدها / يؤكد الشاعر في البيت• الأخير من المقطع الأول ذلك / وجاءت قصيدته المنتظرة ، غير أنه على الرغم من شدة شوقه إليها ، لا يتعجل الأمر ، فهو ( يجاذبها ) = في صيغة الفعل معنى المشاركة ، فهو يجذبها وهي تجذبه ، يتشادان ،تعالي ْ .. تعال .. حتى قضى منها بعض مراده في هذا المقطع ‘ غير أنه لم يفِ ، لم يوفِّ ما يريد منها .

 فماذا يريد الشاعر من• قصيدته ؟؟

يوقفنا هنا على حدّ الانتظار ، ليستمر في المقطع التالي في الإجابة . فلنتابع معه رحلته .


* * *


المقطع الثاني


الملك الضلّيل

 


أراكَ بصـدرِ الغيـمِ ترعـدُ  غاضبـاً
 فيا خطوتي كفّي ويـا ريـحُ  خفّفـي
 
( قفا نبكِ) في ذكرى الحبيـبِ  وفقـدهِ
 بعبـرةِ محـزونٍ ودمـعٍ  مكفـكـفِ
 
هــوت نخـلـةٌ حـبـاً  بأفيائـهـا
 على ضريحكَ واستلقت بـدون تكلّـفِ
 
وأعيا الغرامُ الشمسَ .. مالت  بشقهـا
 عليـك ، وترنـو للثـرى بتـعـوّفِ
 
ويزهرُ - رغم الموتِ - دربُكَ ، هل نما
 لغيرك إلا المـوت فـي كـلِّ موقـفِ
 
وتستـنـزفُ الصـحـراءُ أنفاسـهـا
 علىطريقك .. لا تنفك تثني  وتحتفـي
 
وشيطانُك المحمومُ فـي كـلِّ  غـارب
 ٍيـدبّ دبيـبَ النمـلِ دون  تـوقـفِ
 
ألا أيها الضلّيـلُ هـا قـد  تسارعـت
 خُطاك إلى عرشِ السحـابِ المشـرّفِ
 
لأنـكَ لا ترضـى الهـوانَ  تركتـنـا
 نوازنُ لكـن فـي الزمـانِ المطفّـفِ
 
إذا كـان مصبـاحُ المسـاء  معلـقـاً
 على الأفقِ لم تهمس شفـاهُ التطـرفِ
 
وإن غاب ربع البدرِ حركهـا  الهـوى
 فتلتهـمُ الأزهـارَ لـو لـم تـفـوّفِ
 
أبي إنهـم يبغـون قتلـي ،  تكشّفـت
 نواياهمُ نحوي ، وإنـي لهـم  وفـي

 

 

 

 

بينما الشاعر يستعد ( ليشتفي ) من البحر الطويل ( بحر معلقة امرئ القيس ، وبحر معظم قصائد شعراء العربية القدماء ) في إشارة رمزية إلى التراث ، ويتهيأ ليوفّيَ ما بدأه ، وقد وفت بوعدها وجاءت ، يطل عليه امرؤ القيس بصدر الغيم يرعد غاضباً ( في مشهد درامي مثير ) ، هكذا يرى الشاعر ( أباه ) من وراء الغيب ، فيخيّله لنا في موقف مهيب : كيف تجرؤ يا فتى هذا العصر الذي لا يداني ما تدعونه من الشعر فيه أقلَّ ما قلنا من الشعر في زماننا ؟ كيف تجرؤ على تعدّي حدودك ، ومقارعة معلقتي ؟؟

ـ ( يرعد غاضبا ً ) / فيرتعب الشاعر من هول الموقف ويطلب من خطوته أن تكفّ ومن رياحه أن تخفف من هبوبها : يريد أن يتراجع أمام سطوة التراث المهيبة ، خشية أن لا يكون كفؤاً لمشاكهتها ! ويذكرنا بما جعله يتردد ، يذكرنا بـ ( قفا نبك ِ ) امرئ القيس ، لنتمس له العذر في هذا التردد . وله الحق في أن يتردد ، فعمالقة الأجداد يقفون دائماً عقبةً كأْداء في مواجهة من تلاهم من الأبناء ، ويتركونهم دوماً أمام سؤال عملاق : كيف يمكن أن نكون أمثالهم ، دع عنك أن نتجاوزهم ، وهم الذي أسسوا وبنوا القواعد، ولم يتركوا لنا منفذاً ؟؟ فهل نتوقف أم نغامر ؟؟

يبكي الشاعر إذن في ذكرى الحبيب وفقده ، في ذكرى الجد العملاق ، ويترك النخلة ( رمز العربي ) تهوي حباً ، وتستلقي بعفوية على الضريح القائم في لاوعي الشعراء جميعاً ، ويُميلُ الشمس عليه قد أعياها الغرام ، والشمس ستتكرر في مقاطع أخرى من القصيدة ( الشمس = الضياء / النور / الحياة/ الحقيقة / الحرارة … ) ، وهذا أول حضور لصورة الشمس في النص ، شمس عاشقة للشاعر / الرمز ، امرئ القيس ، أي للشعر الأصيل الذي باتت لغة الضاد في هذا الزمن تصبو إليه ولا تكاد تحظى به إلا قليلاً .

وسنرى أن هذا الهمّ ن همّ الشعر الأصيل ، يسيطر على الشاعر في قصيدته في غير موضع منها .

ويصر الشاعر على إبراز أهمية القديم وحضوره ( مكثفاً صورته في امرئ القيس أنموذجاً ) في حاضر الأمة عبر أزمانها :

ـ فدربه يزهر رغم الموت ، وقد طال الموت غيره فما أزهرت له درب .
ـ وما تزال الصحراء تتنفسه ، وتحتفي به .
ـ وما زال شيطان شعره يسري في دماء الشعر العربي كدبيب النمل ( لا يكاد يشعر به أحد ) .

 صور مكثفة متتالية تكرّس• هذا الحضور المتسع الماثل في دماء الشعر العربي ، وإن لم يشعر بذلك كثير من المستمدين منه اشتعالهم .يأبى الشاعر بعد هذا التصوير المكثف لعظمة التراث ، إلا أن يعقد مقارنة بين هذه الروعة المتمثلة في أصالة القديم ، وما نعاني منه من هُزال وسخف وتحاقد ؛ ننسب كل ذلك إلى الشعر ، ونمارسه باسم الشعر .
يخاطب شاعرنا ماضيه التليد ( = الملك الضلّيل / امرأ القيس / رمزاً ) : ( ها قد تسارعت خطاك إلى عرش السحاب المشرِّفِ ) .

إنه يهرب ، يفر إلى علوّهِ وارتفاعه عن مستوى ما عندنا الآن . لماذا ؟؟!!

( لأنك لا ترضى الهوان تركتنا ) نعاني من هزال مخيف في شعرية شعرنا والتعبير عن مشاعرنا وأفكارنا ، ( نوازن ) ، نحول أن نتساوى بك يا قديمنا ، أن نعدل ميزان العصر الراجحة فيه كفة الإسفاف ، غير أننا نصطدم بحقيقة قاتلة ، ذلك أننا نعيش ( في الزمان المطفف ) . ما هو الزمان المطفف ؟؟

المطفف هو الذي يعبث في الميزان تخسيراً وتبخيساً للحق : ( ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون ) [ سورة المطففين / 1 ـ 3 ] .

إذن نحن نحاول أن ( نوازن ) في زمن يفتقد العدالة والحق في التعامل ، ولذلك نبقى غرباء ، على أن غربتنا لا تفقدنا مصدر قوّتنا بين الهزالى ، فاستمدادنا لما نبدع من الشعر من أصالة تراثنا تجعلنا ( مصباح مساء ) = بدراً يقشع الظلمة عن ليل الإبداع ، فإذا طلع المصباح خرست ألسن العتمة وانكفأت على ظلمتها ، وإذا غاب ( البدر ) حركها الهوى ( انظر الدقة في التعبير ) / الهوى ،مجرد مراد النفس دون أي اعتبار لقيمٍ أو غيرها ، هو الذي يحرك هذه الشفاه / الأقلام الهزيلة ، فتروح ( تلتهم الأزهار لو لم تفوّفِ )أي = تمارس الشعر فجّاً لا رائحة له ولا لون ( أزهار لم تفوّف = لم تنوّر بعد ، لم تكتسب لونها وعطرها بعد ) .

نتيجة لهذه المقارنة المؤلمة ، يختم الشاعر مقطعه الثاني من القصيدة بصرخة متوجعة : ( أبي إنهم يبغون قتلي ) ، كأنه يستغيث بتراثه الأصيل من هجمة شرسة تسمى الحداثة ، زوراً و ما هي بالحداثة ، وإنما هي انغماس في زخارف الحضارة الغربية ومعطياتها الثقافية بحجة المعاصرة والتجديد .

الشاعر يعي ذلك جيداً ؛ ( تكشّفت نواياهمُ نحوي) ، ومع ذلك لا يقابلهم السوء بالسوء ، بل يعلن وفاءه لهم على الرغم من كل أذاهم ، وذلك إمعاناً في الأصالة والانتماء إلى أمة ، امتلأ قديمها بالوفاء ؛ قيمة ً يتبارى فيها المتبارون .

*********


المقطع الثالث

لكَ الأحرفُ البيضاءُ ماذا تركت  لي
 من الشعـرِ إلا لكنـة  المتخـوّفِ
أبي ضاق صدرُ الشعرِ حتى  حسبته
 عجينةَ علكٍ فـي قضيـبٍ مغلّـفِ
تسير بـه الأهـواءُ ، كـلّ يلوكـه
 ويرمي به في الرملِ دون  تأسـفِ
أبي ما لهذا الليلِ لا ينجلـي، متـى
 نطيرُ كأسراب الحمـامِ المرفـرفِ
لقد أوشك النجمُ المغرّدُ في  السمـا
 بأن يسدل الأستار عنهم  ويختفـي
يغـرّدُ .. لكـن الليالـي  تلبّسـت
 عمامة مشبوهٍ وسـروال  مرجـفِ
فمن طارقٍ بالشعـر بابـاً  لثـروة
 ومن ماسحٍ كف البلاط  المصفّـفِ
ومن ساترٍ عُـري الثقافـة بالخنـا
 ومن زارعٍ فيهـا بـذور التخلّـفِ
ومن كلمـا أخرجتـه مـن  ثيابـه
 وجدت به سوءا فأسدلتُ  معطفـي
أصيخُ إذا كـح الظـلامُ فلـم أجـد
 نقيق الدجـى إلا نشيـد  تعسـفِ
إذا كانـت الأيـامُ تحـرقُ  ظلهـا
 فأي رمادٍ مـن بقايـاه  نصطفـي
وأي زمان ينجـزُ الرعـدُ  وعـده
 ويروي خشاش الأرض دون تطرفِ
وأي مدى نرجـو وهـذي  ثيابنـا
 مزخرفةٌ .. لكـن بحبـر  مزيّـفِ
إذا لم نطق أن نردم الفـوت بيننـا
 فإني بما جادت به النحـلُ مكتفـي
زرعتُ لكم ورداً فمن شاء فليـدس
 عليه ، ومن شاء العبيـر ليقطـفِ

 

المرجف : أصل الرجف الحركة والاضطراب ،وأرجف القوم إذا خاضوا في الأخبار السيئة وذكر الفتنة . قال الله تعالى : ( والمرجفون في المدينة ) ؛ وهم الذين يولّدون الأخبار الكاذبة التي يكون معها اضطراب في الناس . [ لسان العرب ، مادة : رجف ] .


لا ينفك المقطع الثالث ( المرجف ) عما قبله ، بل هو استمرار للكلام على معاناة الشاعر من أدعياء الشعر في هذا الزمن، مقرّاً لأبيه ( تراثه ) بالأفضلية بداية ً : ( لك الأحرف البيضاء ) ، واللون الأبيض في كل حال دلالة النصاعة والوضوح والحقيقة والطهارة والصفاء والجمال في الغالب الأعم . فهو يقرّ لقديمه بأنه ذهب بالأفضلية والأولية في الشعر ، ويعلن يأسه من اللحاق به : ( ماذا تركت لي من الشعر إلا لكنة المتخوف ِ ) . ولنلحظ هنا استعمال الشاعر لكلمة ( لكنة ) لوصف أداء الشعر في هذا العصر . واللكنة : عجمة في اللسان وعيّ ، والألكن : الذي لا يقيم العربية من عُجمة لسانه . [ لسان العرب ، مادة : لَكَنَ ] .

اللكنة وحدها مشكلة ، فإذا كان صاحبها متخوفا ً ، أصبح الأمر أدهى وأمر ّ ، فالمتخوّف إذا كان فصيحاً لم يؤدِّ الكلام بشكل واضح وصحيح لسيطرة الخوف عليه ، فكيف إذا اعترت كلامه لُكنة ؟؟

صورة رمزية مكثفة لما يراه الشاعر من حال ما ظل من الشعر بعد استئثار الأجداد بالأصالة والإبداع الحق .

ما تلا ذلك من أبيات المقطع الثالث هو في مجمله تنويع في التصوير على اللوحة ذاتها لعرض معاناة الشاعر من هذه الحال : فقد أصبح الشعر مجرد علك جاهز للمضغ لكل من أراد ، يلوكه ثم يلقي به في الرمل . والصورة هنا تحمل في طياتها معنى منتهى الاستخفاف بالشعر ، واستسهال المتعاملين به لأمره ، وتعرضه لكثرة الاستعمال العابر دون اكتراث لقيمته وأهميته وحقيقته الإبداعية .

ثم يستدعي الشاعر صورةً من معلقة امرئ القيس في استعمالٍ خاص له : ( أبي ما لهذا الليل لا ينجلي ) . غير أن ليل الشاعر ليس كليل امرئ القيس ، فليل هذا ليل الطبيعة الذي طال بوطأته عليه فناجاه بأن ينجلي . أما ليل الشاعر فهو ليل المعاناة من الجهل والإسفاف الذي ينيخ بكلكله على صدور القلة من أبناء العربية ، ومنهم شاعرنا هنا . وهو يتساءل من خلال ذلك : ( متى نطير كأسراب الحمام المرفرف ِ ؟) . والطيران هنا : تخلص من الـ ( تحت ) وانطلاق في
الـ ( فوق ) ، بحرية وانسيابية ورقي ّ .

الحال يأس محبط ، والصورة العامة تبعث على الأسى ، و( النجم المغرد = الشاعر ) يوشك لشدة اليأس من انصلاح الحال أن ( يسدل الأستار ويختفي ) ، فلا يخالط هذه الأجواء الموبوءة بفساد الذائقة وانهيار الجمال ، ذلك أنه ( يغرد .. ) معطياً أجمل ما عنده من اللحن والمعنى في أجمل ما يمكنه من اللغة والمبنى ، غير أن : (الليالي تلبّست عمامة مشبوهٍ وسروالَ مُرْجِفِ ) .

الليالي : زمن / وهو زمن مظلم .
تلبّست ْ : غير لبست ، فلبست لها معنى الاختيار في ما يريد المرء أن يلبس ، أما تلبّس فلها معنى التكلف أو الإجبار ؛ أي هناك أحد أمرين أو كلاهما ؛ فهي إما تلّفت لبس ما سيصفه شاعرنا تاليا ً وهو ليس لها ، وإما أُرغمت على ذلك وليس ينبغي أن يكون لها،وإما كانت على الحالين ، حسب من يفعل بها ذلك .

عمامة مشبوه : العمامة رمز إما على أصل لباس الرأس للعربي القديم ، وإما رمز على لباس الرأس لمن يسمون هذه الأيام برجال الدين ، وعلى الحالين فهي ليست أصيلة في هذا العصر ، بل هي مجرد قناع مزيف يخفي تحته دعيّـاً يتمظهر بالأصالة وهي منه براء . وإن كنت أرجح أن تكون العمامة هنا رمزاً للعروبة الأصيلة بدلالة استعمال السروال في الشق الثاني من صورة اللباس .

سروال مرجف ِ : السروال رمز على اللباس الأجنبي ( البنطال ) . والمرجف سبق القول فيه ، فهو الذي يولّد الأخبار الكاذبة التي يكون معها اضطراب في الناس ، وهو وصف للمنافقين في القرآن الكريم .

صورة هزلية : شخص ( =زمن ) ، يرتدي في تكلف مبتذل ، راغباً أو مرغماً ، عمامة عربية وسروالاً أجنبيا ً . فهو مزيج مضحك وهجين ؛ فليس هو صافي الانتماء إلى عروبته ( = مشبوه ) ، وهو في تفرنجه منافق مخرب .
وفي ما تلقيه الصورة من ظلال ، يفرد الشاعر النص ، فهناك :
ـ المتكسب بالشعر .
ـ شاعر البلاط مدّاح الملوك والزعماء .
ـ ساتر عري الثقافة بالخنا : يستر خواءه الثقافي بالتذلل ليكسب مكانة ما .
ـ زارع في الثقافة بذور التخلف : بادعاء الرجوع إلى الأصل دون وعي حقيقي بالأصالة ومدى تقبلها للجديد الصالح .
ـ متخفٍّ وراء ثياب من التثاقف والتعالم يبدو فيها مليحاً ، فإذا عُرّيَ منها ، أي وُضع على المحك الحقيقي ، تكشف عن عورات مخزية .

وفي غمرة هذه المهزلة المعاصرة ، يبقى لدى الشاعر بعض الأمل في أن يرى بصيص نور ، فما أن ( يكحّ ) الظلام = يصدر أي صوت / شعر عن هذه العتمة المنتشرة في زمن البؤس هذا ، حتى ( يصيخ ) = ينصت باهتمام ، لعله يسمع شيئاً ذا بال .فلا يجد (نقيق الدجى إلا نشيد تعسّفِ ) = النقيق / صوت الضفدع ، وهو صوت مزعج عموماً ، ذا وتيرة واحدة عالية لا حلاوة فيها .
الدجى / كناية عن الجو العام الذي يهجوه الشاعر . نشيد تعسف / نعم هو نشيد : كلام موقع ذو نغم معين ، لكنه يتخبط في كل اتجاه في تعسف وفوضى وارتجال لا معنى له .
لا جدوى إذن ، الهراء مستمر ، والنتيجة : أنهم يفسدون كل شيء ، حتى ( الظل ) ؛ وإحراق الظل كناية عن إحراق الأصل بداية ًفالظل تابع لأصله ، وإحراقه هنا مجرد نتيجة لإحراق الأصل ، ونحن مجرد نعيش في ظل الأيام الماضية ، فكيف إذا غدا هذا الظل رمادا ً ؟؟ ماذا سنصطفي من بقايا الرماد ؟؟

وبناء على هذه النتيجة ، يستمر تساؤل الشاعر :
ـ متى يهطل المطر ، ويُرَوّي ظمأ الأرض ، فلا يكون مُقِلاّ ً ولا يجيء طوفاناً ؟
ـ ما الذي نأمل الوصول إليه ونحن غارقون في الزيف والخداع ؟
إنه يستغيث ويطلب العون ، يريد لهذه الأمة أن تخرج من عتمتها و تتخلص من ما ألبست نفسها من الزيف لتستعيد أصالتها ، ولكن في نهاية الأمر فالمسألة ليست مرهونة بالشاعر وحده ، فهو مكلف بنفسه ، ولذلك يقرر :

 

إذا لم نُطِقْ أن نردم الفوت بيننا
 فإني بما جادت به النحل مكتفي

 

فإذا لم تستطع الأمة / شعراؤها وأدباؤها ومثقفوها خاصة أن يردموا الهوة التي تفصل بينهم وبين تراثهم ،وأن يتواصلوا معه ، غير متخلفين عن عصرهم ، فإن الشاعر يعلن أنه سيكتفي بما تجود به النحل من العسل الصافي ( = يكتفي بما جاد به القدماء ويجود به المجوّدون من المعاصرين من الإبداع ) تاركاً خلفه ما يتراكم من الهراء المعاصر .

ينهي الشاعر رحلته في هذا العناء بإعلان موقف نهائي من كل هذه المعمعة :


زرعتُ لكم ورداً فمن شاء فليدس
 عليه ومن شاء العبير فليقطف  ِ

 

وهو إعلان ذو جانبين :
ـ بينت لكم جلية الأمر ومهدت لكم الطريق ، فمن أراد فليمش فيه ، ومن لم يرد فليتنكبه .
ـ هذا خطي في الشعر ومسلكي في الإبداع ، فمن أراد فليقبل ومن لم يرد فليرفض .

 خلاصة هذا المقطع ؛ تصوير معاناة الشاعر مع• أدعياء الشعر والثقافة من مزيفي هذا العصر المرجفين ، وموقفه من كل ذلك ، من خلال ما قدمه لنا من المقارنات في هذا المقطع ، استمراراً لما سبقه في مقطع ( الملك الضلّيل ) .

* * *


( للبحث صلة إن شاء الله )
رؤية في معلقة الصلهبي : ( بين يدي امرئ القيس )

 

 


الحلقة الثانية

 

المقطع الرابع

القيامة

ويوم اتشحـتُ الضـوءَ قامـت قيامـةٌ
 علـيّ فلـم أخلـع ثيـابَ التلـطّـفِ
فأسطعُ من بـدرِ الدجـى فـي ترفـع ٍ
وأشهرُ في وجـهِ الضلالـةِ  مصحفـي
ويعشبُ في خطوي اليباب ، ولـي رؤى
 من النور تشفـي كـلّ عقـلٍ محـرّفِ
أجـرُّ عصيـات القـوافـي  بإذنـهـا
 إلـيّ فلـم تـبـرمْ ولــم تتـأفـفِ
ولكـن أذنَ الليـلِ فيـهـا  سحـابـةٌ
 وفـي عينـه نـار تـبـدّدُ أحـرفـي
أقطـرُ فـي عيـن الظـلام  مشاعلـي
 لعـلّ بـه أن يستجـيـب ويختـفـي
فيرتـدُّ مـن بعـد التوهـج  مظلـمـاً
 ويمنـعُ أحلامي..فـأبـدي  تقـرّفـي
ألاحـقُ أوهـام الطـيـورِ فــلا أرى
 سـوى لغـةٍ قتلـى وريـشٍ  منتّـفِ
أقارعُ في صبحـي الغثـاء ،ولـي يـدٌ
 أجـزُّ بهـا جـذرَ الخـواءِ  المثقـفِ
وأسبحُ مثل الضوء فـي الجهـلِ ،إنمـا
 من الجهلِ إن غاصت به الشمسُ تكسفِ
وأحمل للآتيـن مـن روعتـي عصـى
 أهش بهـا زحـف الذبـاب  المكثـفِ
ولي رغم هذا الظلم قلـبٌ مـن الصفـا
 يلـوح كعيـنـي بــارقٍ متكـشّـفِ
إذا أوغلـت فيـه الـجـراحُ أذابـهـا
 بحكمـة لقمـان ورؤيــة يـوسـفِ

 


يفتح الشاعر لنا في هذا المقطع أفقاً يمتد من لحظة البيت الأخير في المقطع السابق :

 

زرعت لكم ورداً فمن شاء فليدس
 عليه ومن شاء العبير ليقطـف ِ

 

فهو هنا يوسع المشهد من مجرد ضديّة ِ : ( يدوس >< يقطف ) إلى مواجهة شاملة بين المتضادين : ( السلب >< الإيجاب )
في حراك متبادل ، وأخذ وردّ متواصلين ، يأخذان بالأنفاس .

ينصلت الشاعر من غمده هنا ، ليبدأ المواجهة العنيفة مع الضد : وجه الضلالة / العقل المحرف / أذن الليل / عين الظلام / مانع الأحلام /أوهام الطيور / اللغة القتلى / الريش المنتف / الغثاء / جذور الخواء / الجهل / كاسف الشمس / الذباب المكثف / الظلم .

وهو في هذه المواجهة ، على شدتها ، لا يتخلى عن اللطف ، فهو : يتشح بالضوء / يسطع بدراً / يشهر مصحفا ً / خطوه يعشب اليباب / له رؤى من نور / يقطر مشاعله في عين الظلام / يسبح مثل الضوء / له قلب من الصفا / قلبه يلوح كعيني بارق متكشف .

وتتخذ القيامة في هذا المقطع شكل مواجهة غير متكافئة ، فميزان القوى يبدو في صالح الفئة الظالمة ، إذ على الرغم من كل محاولات الإصلاح وبث النور وإشعال الظلام والبحث في كل اتجاه من الخواء والوهم لعل شيئاً ما ذا بال يكون هناك ، وعلى الرغم من محاولات إزالة طغيان الجهل وهش زحف الذباب الكثيف ، فإن النتيجة كانت دوماً المزيد من الجراح في قلبٍ من الصفاء ، منحه اللطف قدرة عجيبة على إذابتها بالحكمة والروية واستشراف المستقبل .

تجري المواجهة في حركية متبادلة بين الضدين : النور والعتمة بمختلف مترادفاتهما في المقطع ، حتى ليشعر القارئ أنه في ساحة معركة حقيقية . فالشاعر يهجم بأسلحته المضيئة المختلفة ، محاولاً تبديد هذا الظلام ، والعتمة تمتص هذا الهجوم ، وترتد في هجوم مضاد يخلف شعوراً بالإحباط واليأس من إصلاح الوضع .

استعمال الشاعر للفعل المضارع في تصويره لهذه المواجهة يشي بأن الحرب لم تنته ، وأن الشاعر ما يزال صامداً مستمراً في التصدي
رغم كل الجراح ، وهذا يمنح شعوراً بالأمل على الرغم من مسحة اليأس والتعب المنتشرة في المقطع .

واضح للمتأمل في المقطع ، كما هو في القصيدة عموماً ، أن الشاعر يبرع في استعمال الاستعارة في بنائه للصور الفنية بشكل لافت للنظر ، مشخصاً الجوامد ، مانحاً إياها حياةً وحركة ً وموقفاً :
أُذُن الليل / عين الظلام / لغة قتلى / القوافي لها أذن يجرها منها الشاعر ، وهي لا تبرم ولا تتأفف / الظلام يقاوم الشاعر فيمنع
أحلامه / …. إلى غير ذلك .

القيامة مقطع درامي البناء ، يصور صراع الشاعر مع الغثاء المنتشر في الساحة الأدبية ، من رموز و نتاجات .
* * *

( وللبحث صلة إن شاء الله )
رؤية في معلقة الصلهبي : ( بين يدي امرئ القيس )

 

الحلقة الرابعة

المقطع الخامس
الشمس

***

 

ويوم دخلت الشمسَ ،ألقت بنفسهـا
علـيّ وبالغيمـات لـم تتلـحّـفِ
تقول وقد حطّت على البحر رأسهـا
 ومدت مناديل الأصيلِ  المزخـرفِ
:لعمري لهذا البحرُ أفضـلُ  ملجـأ
 من اليتم، واسترخت بجسم مهفهفِ
فقلت لها: غوصي. فقالت: وجذوتي
 فقلت لها: هاتي. فقالـت: تعفـفِ
فكم نجمةٍ باتـت تداعـبُ أضلعـي
 وتجني عناقيدي وتلهو  بمعطفـي
أربَّـتُ بالأنـواء صـدر  سحابـة
 فتهمي جنينـاتٍ وينبـوع قرقـفِ
وأقـرأ تاريـخَ العـروقِ  بنشـوةٍ
 علـى جسـدٍ راوٍ وثغـرٍ مفـوّفِ
:لعمري لأسمار المضيئـة  دارنـا
 لنبسم في وجه الزمان  المقصّـفِ
هنالـك وافـى كـلُّ نجـمٍ بحبـه ِ
ولا سيما مـن شاعـرٍ  متفلسـفِ
وتفتـح للآتـيـن وارف قلبـهـا
 فتبهجهم.. لكـن بـدون  تحيّـفِ
ومن دمها تروي الحشائش ، كلمـا
 تبدّى لها طيفٌ،تقـول لـه: قـفِ
تعلّقُ فـي صـدر السمـاء قـلادةً
 من النجم حتى أغضبت كلّ منصف
تثـاءبَ ليـلُ المارقيـن  وشُتّـت
 قوافلهم وانـزاح غـمّ  التصلّـفِ
يحيطُ بهم ماءُ الظنونِ ،  وفوقهـم
 زوابعُ وهم في فناجيـن  موجـفِ

 


استمراراً لما أسلفت من التصريح به في الحلقة الأولى من هذه الرؤية بأن مقدمة القصيدة تكتـنـز اللحظة الشعورية المكثفة التي دفعت بالشاعر إلى إبداعها ( القصيدة ) ، ومن هذه اللحظة المكثفة تنطلق بقية القصيدة وإليها تعود لتمتح منها بقية صورها ؛ أقول استمراراً لذلك سنلحظ في المقطع الخامس ( أسمار/ الشمس ) خطاً يمتد من ( ليلى = القصيدة ) إلى ( الشمس = القصيدة ) ، والبحر هنا هو نفسه ( البحر الطويل ) هناك ‘ غير أن الصورة هنا تنفتح على حوار وتفصيل أكثر مما ورد في المقدمة . فهناك كانا يتجاذبان .. ولم يوفِّ الشاعر ما أراد منها . أما هنا فهو يدخل في الشمس
( = القصيدة ) فتلقي بنفسها عليه ( = تمنحه نفسها ) بكل وضوح وجلاء ، ( لم تتلحف بالغيمات ) فهي كما وصفها في المقدمة ( تشفّ / ليلها نهار ..) ، غير أن ذلك يتم له وحده ، لأنه يعرف عما يتحدث ، وكيف يعبر عما يريد .

إذن نحن أمام أفق جديد يمتد من لحظة الوصال الأولى مع القصيدة ، وينفتح باتجاه المزيد من التوكيد على عشق الشاعر للأصالة في الشعر ورغبته في التميز عن الإسفاف المعاصر .

فدخوله الشمس ، دخول إلى الحياة بوضوح وجدوى ، فالشعر ـ على ما يجدر أن يكون عليه من الغموض الشفيف
البعيد عن الإغراق في الألغاز والضبابية المعتمة والهلامية ـ لابد من أن يصل إلى المتلقي صافياً في نهاية المطاف . لذلك يؤكد الشاعر في البيت الأول من هذا المقطع أن علاقته بالشعر علاقة صافية واضحة . فالقصيدة تستجيب له
بيسر وسهولة ولا تتلحف ( صيغة مبالغة للفعل : لحف ) بالغيمات ( كناية عن الخفاء = الغموض ) . وهي تستجيب باسترخاء حين تحط رأسها ( = بدايتها ) على البحر ( = الطويل ) بما ذكرتُـه من سماته في الحلقة الأولى ، وتفرد
للشاعر الألوان الرائعة الخلابة(=مناديل الأصيل ) من الصور والتعابير ليختار ويأخذ ويصوغ .
وتؤكد الشمس ( = القصيدة ) / الشاعر ، أن هذا البحر ( = الطويل ) هو خير ملاذ من الشعور بالغربة ( = اليتم ) في
خضم الأوزان المبعثرة في ترهات كثير من الشعر المعاصر . ( والبحر الطويل هنا رمز لبحور الشعر العربي كلها ) .

يتحاور الشاعر مع الشمس / القصيدة حواراً خاطفاً في اللحظة التالية ، يكثف فيه مرة أخرى صراعه الذي بدأ به القصيدة ( بين أقدام وإحجام ) في قوله :


خليليّ كـم زاد الهـوى بالتلهـف
 وكم مات حب في الحشا من تعفف


ولكنه في هذه المرة يحول هذا الصراع إلى مواجهة ، فهو قد دخل التجربة وتورط فيها ، وما عاد هناك مجال للرجوع :

فقلت لها : غوصي / بفكري ومشاعري وانفعالاتي وبحري الطويل : فني ،
فقالت : وجذوتي ؟ / شدة انفعالي واتقادي في صدرك قبل التشكل شعراً
فقلت لها : هاتي / دعوة تتضمن استعداد الشاعر للاحتراق بها لإنتاجها
فقالت : تعففِّ / نداء أخير قبل العناق ، لعدم الابتذال احتراماً للأصالة ووقوفاً عندها .

حوار درامي سريع ينتهي باستسلام القصيدة للشاعر وانسيابها بين يديه صوراً تعبر عن انطلاقه في الوجود بشعره ، في صور رمزية لمجالات شاعريته ؛ تقول القصيدة :

ـ كم نجمة ( = فكرة ) باتت تداعب أضلعي ( = أبياتي ) ، وتجني ( = تكتب ) عناقيدي ( = ثماري / صوري ) وتلهو ( = تمرح ، تتحرك بفرح الإبداع ) بمعطفي ( = كياني وكليتي ) .
ـ أربّت ( = أداعب في رقة تشبه التمسيد / وهو المعنى الأصلي الذي استعمله الشاعر هنا قبل أن يعدل في هذا البيت ليقيم الوزن )
ـ بالأنواء ( = بالأعاصير والرياح / كناية عن التفكير الشديد وإجالة الفكر في كل اتجاه )
ـ صدر سحابة ( مكمن العطاء فيها، صدر المرأة مكمن حليب الأم ، والسحابة هنا ربما كانت كناية عن الفكرة في غموضها وعموميتها) وتربيت الصدر / تمسيده في بداية الإرضاع بعد الولادة مباشرة ضروري لإخراج [ الّـلـبا ] السميك الذي يعترض طريق الحليب السهل الصافي .
ـ فتهمي ( = تجود / تتشكل ) جنيناتٍ ( = حدائق من الصور والأفكار والتشكيل الإبداعي المختلف الألوان والثمار ) ، وينبوع قَرْقَفِ/ القرقف : اسم للخمر ، ويوصف به الماء البارد الصافي [ لسان العرب : مادة قرف ] / ( = وكذلك نبعاً من الصفاء والعذوبة والحياة ) .

ـ وأقرأ ( = أتزود بالمعرفة والثقافة ، وهما من أهم عناصر شعرية الشاعر ، فبدون الاطلاع الواسع على القديم والحديث من التراث ، لايستطيع الشاعر أن يقف على أرض صلبة ثابتة ، ويكون كالمعلق في الهواء بدون وزن ) .
ـ تاريخ العروق ( = التاريخ سيرة حياة الأمم ، ولابد من سعة الاطلاع فيه للشاعر ، فهو مرجعيته في الحوار مع عصره . والعروق في الجسم مجرى الدم ، وهي في التاريخ مجرى الأحداث ) .
ـ على جسد راوٍ وثغر مفوّفِ ( = جسد الأمة / تاريخها وحضارتها / جسد مليء بالحياة والحيوية والأصالة ، وثغرها : مناط القول ومصدر الكلام فيها ،وهو مفوّف ؛ مكتمل النضج مزهر الألوان ) .

إذن في هذه الصور الرامزة ، يكثف الشاعر تصوره عن العملية الإبداعية شعراً ، وكيفية انبعاث القصيدة عنده ، عبر معطيات تتجاوز اللحظة الانفعالية إلى المدى الفكري والثقافي المرتبط بتاريخ الأمة وأصالتها، فلا يكفي أن يعاني الشاعر من لحظة شعورية ضاغطة وعاطفة مائرة مائجة ، ليكتب ، بل يجب أن يقف على أرض صلبة ثابتة ، ضارباَ بجذوره في أعماق تربة تاريخه وتراثه ، ممتداً في عصره ، ليصنع إبداعاً لمستقبل أمته .

في بداية البيت الذي يلي هذه المجموعة من الصور ، يضع الشاعر نقطتين فوق بعضهما بعضا ً ( : )

 

: لعمري لأسمار المضيئة  دارنا
 لنبسم في وجه الزمان المقصّفِ

 

وذلك في إشارة إلى أن القائل هنا غير القائل في الأبيات السابقة ، فتلك كانت الشمس / القصيدة هي التي تتحدث ، أما هنا فالشاعر يدخل إلى الحوار مؤكداً مقسماً ( = لعمري ) ،
ـ لأسمار المضيئة ( = الشمس ) : ما يدور في هذه القصيدة من حديث وما يرد فيها من حوار وصور وإبداع ، هو ( دارنا ) : مكاننا الذي نأوي إليه ، ونشعر فيه بالأمان والراحة ، ذلك أن أجواء هذا النص ، كما يلونها الشاعر ، ويضعنا فيها ، تنبعث من ارتباطه بالأصالة الحقيقية والانتماء للتراث والتاريخ العربي كما تمت صياغتهما من قبل الأجداد .
ـ لنبسم في وجه الزمان المقصف : يتزود المرء من أصوله بالقوة والقدرة على مواجهة التكسر والهزالة والضياع في هذا العصر ، فيمكنه التبسم بثقة واعتداد بما عنده من القوة والامتداد في التاريخ ، هازئاً بكل سخافات العصر .

كيف يكون هذا التبسم ، وكيف يؤثر في المواجهة مع الزيف والمروق من روح الجماعة والأمة ؟

يبسط الشاعر القول في ذلك من خلال الأبيات الأخيرة من هذا المقطع :

ـ فكم نجم / شاعر ، يمكنه الدخول في الشمس اذا شاء ، حتى المتفلسفون الذين يحمّلون الأشياء فوق طاقتها ( مثلي ربما !! ) يمكنهم أن يكونوا ضيوفاً ، فلا خوف من حضورهم ما دام الأصل قوياً .
ـ وهي / القصيدة / الشمس / الحقيقة : تفتح ( للآتين ) : كل النجوم / الشعراء / النقاد / القراء / … قلبها الوارف الظلال (كناية عن اتساع هذا القلب وسماحته وامتداده للجميع ) .
ـ وهي مصدر حياة لاخضرار الزمان ( = تروي الحشائش ) ، ولا تني تجمع الصور والأفكار ، إذ كلما تبدى طيف / فكرة ، صورة /تستوقفه : تتأمل فيه ، تصوغه صورة شعرية ، تضمه إلى صدرها .
ـ ثم إنها بكل ذلك ، تعلق في صدر سماء الشعر قلادة من النجم : فتغدو ، بيتاً بيتاً ، وصورة صورة ، قلادة منظومة من الجمال الإبداعي الراقي المرتفع ( في صدر السماء ) ،
ـ حتى أغضبت كل منصف : لأنها بتجاوزها حدّ العادي والوسط إلى حدّ التألق والتفوق ، لم يعد بالإمكان مقارنة غيرها بها ، فلايستطيع المنصف إلا أن يحكم لها وحدها رغم أنفه .

بعد هذا النصر المبين ، تنتهي المواجهة مع المزيَّف والخارج على الأصل بأن :

ـ يتثاءب ليل المارقين / الخارجين على الجماعة / ( زعران !) الشعر في هذا العصر [ معذرة لاستعمال هذا الوصف !! ] :
يتثاءب / ينتابه حال النوم ، نوم ليل المارقين : انعدام عتمتهم وذهابها ، فتتشتت قوافلهم ( = جماعاتهم ) ولا تعود ذات تأثير ،وينتهي ما يسببه وجودهم من الغم ( = غم التصلف / التعنت ) ، فإذ بهم مجرد يسبحون في الفراغ ( = ماء الظنون ) ، ويحومون في ما أثاروه من هباء لا قيمة له ( = زوابع وهم في فناجين موجف ) فكل ما هم فيه مجرد زوبعة في فنجان مضطرب لا يعرف ثباتاً ولا أصلاً .
***


مدد من التصوير الفني المبدع ، يصل بعضه بعضاً في انسياب درامي ممتع ، و تصـدٍّ عنيد لكل الزيف والزخارف الفارغة ، ينتهي بانسحاب مهين للتفاهة والسخافة المستشرية في أعصاب الشعر العربي المعاصر ،وثبات لحقيقة الأصالة والتراث المتجذر في أعماق التاريخ ، مروراً بالحاضر المليء بصراع الأضداد ، امتداداً لمستقبل لا يرضيه إلا الأصل واستمرار النظيف والصحيح .
***

هل كنت أبالغ في انغماسي بالنص ؟؟ لا أدري !! ولكنها رؤيتي على كل حال !

***

( وللبحث صلة إن شاء الله ! )
رؤية في معلقة الصلهبي : ( بين يدي امرئ القيس )

الحلقة الخامسة

 

تثاءب ليل المارقين  وشُتِّتْ

قوافلهم وانزاح غم التصلّفِ

 

من هم المارقون ؟


في المقاطع ( السادس والسابع والثامن والتاسع ) من القصيدة ، يقدم لنا الشاعر أربع شرائح من هؤلاء الذين وصفهم بالمارقين
تحت عناوين رامزة ، سأناقش كل عنوان منها على حدة .

المقطع السادس
نسوة الحي

 

أرى نسوة في الحي يلعبـن  بالحصـى
ويطحن حبـات الكـلام (المشهـفِ)
 
ويكتبن فوق المـاء بالمـاء ، لـم أذق
بـه نكهـة إلا حسـاء التعـجـرفِ
 
وينتفن شعر الشمـس حتـى  كأنهـا
فقاعة صابـونٍٍ بصحـنٍ  (معسّـفِ)
 
ويحملن نصل الوهم ، يمضين في الضحى
كريـح بـلا رأس بـزرع مُعـلّـفِ
 
تراهـن قـد خبـأن قبحـاً  ببرقـعٍ
ليبدين حسناً فـي الخبـاء المكشّـفِ
 
يناديـن ..يزعجـن النهـار تربصـاً
بأشعـثِ منكـوشٍ ووجـه معطّـفِ
 
يراودننـي يخطبـن ودي فلـم أكـن
لـهـن بمشـتـاقٍ ولا متـشـوفِ
 
ولست بناسٍ ما نثـرن علـى الثـرى
من الملح ، لم يصبـأ ولـم  يتصـوفِ
 
فيا نسوة الأوهام ،  غادرن  كالدجـى
ودعن الندى في أول  الصحو  يعـزفِ

 

الشريحة الأولى : نسوة الحي .
من هن "نسوة الحي " ؟؟
الحي : عالم الشعر
نسوته : كاتباته وشاعراته

 

مادام الشاعر يعاني من أدعياء الشعر في هذا العصر ، فلا بد أن يمر بما يسمى في عصرنا بـ ( الأدب النسائي ) ، الذي كثر
واستشرى حتى لم نعد نستطيع أن نحصي ما يظهر على الساحة من الأقلام النسائية ، مما ليس في كثير منه شيء ذو بال .
وفي هذا المقطع ينتقد الشاعر هذه الظاهرة المَرَضيّـة التي أطلقتها الصحافة ودور النشر في أجوائنا الثقافية ، على كثير من
الغثاثة فيما ينشر لهن ، وقلة من التجويد والأصالة .
فالكثرة الكاثرة من صاحبات هذه الأقلام :

- يلعبن بالحصى : يعبثن باللغة والأدب ، كمن يلعب بالحصى ، في غير ما جدوى وفائدة .
- يطحنَّ حبات الكلام المشهف : لم أدر ما هو ( المشهف ) ولم أجد له معنى في معاجم اللغة العربية ، ولكن السياق هنا يفيد
بأنه ( كلام فارغ ) لا طائل من ورائه ، فهو ليس طحن شيء يفيد . وإذا لم يكن لهذه المفردة معنى في اللهجة العامية ، فيغدو
إيرادها هنا في مكانه من حيث الإشارة إلى عدمية معنى ما يتم طحنه ، وذلك كقول الشاعر في الهجاء :

 

مستفعلن فاعلن فعـولُ

مستفعلن فاعلن فعول  ُ
بيت كمعناك ليس فيـه
شيءٌ سوى أنه فضول ُ

 

- يكتبن فوق الماء بالماء : كمن لا يكتب البتة !
- كتابتهن ( حساء تعجرف ) : لا شيء فيها سوى النرجسية وعرض الذات .
- ينتفن شعر الشمس : شمس الشاعر / قصيدته / الحقيقة / الحياة . كل ما يفعلنه يشوه الشِّعر كما يشوه النتف شَعْرَ الرأس ، والنتف لا يأخذ الشَّعْر بالترتيب ، علاوة على ما يورثه من الألم .
- تغدو ( شمسهن ) المنتوفة الشعر مجرد فقاعة صابون ،فارغة من الداخل ، هشة الجدار ، فهي مجرد لحظة تافهة تنفجر في الهواء مخلفة لاشيء وراءها .
- يحملن نصل الوهم : يتخيلن ، يتوهمن ، أنهن يدافعن عن قضية ما ، أو موقف ما ، بما يكتبن من كلام لا تأثير له :
( نصل وهم ) ، فهو لا يحدث أثراً لأنه مجرد كلام فارغ لا يستند إلى حقيقة .
- كريح بلا رأس بزرع معلّف: ريح بلا رأس = رمح بلا رأس = نصل وهم ، والزرع المعلف = الزرع الذي يستعمل
لإطعام الحيوانات ، فهو جهد مضاع على الصعيد الإنساني .
- يتبرقعن : يتقنعن لكي لا ينكشف قبح سريرتهن وما هن عليه من الزيف . والقناع هنا ليس المقصود به القناع على حقيقته ، وإنما ما يتمظهرن به من المواقف والشعارات البراقة المزيفة التي تخفي وراءها حقيقة فاسدة .
- ينادين .. يزعجن ( النهار ) تربصاً : النداء هنا كناية عن ما تطلقه هاته الأقلام الفارغة المحتوى من شعارات وما تقذفه في الأسماع من كلام تافه ، وهو أمر يزعج( النهار ) ، والنهار صنو الشمس ونتاجها ، فهن بما يمارسن من زيف الكتابة يشكلن إزعاجاً للأصالة والحقيقة ، معبَّراً عنها هنا بالنهار .
- بأشعث منكوش ووجه معطف : في إشارة ساخرة إلى ما يظهرن به على الشاشات وفي الصور المرفقة بنتاجهن من مظهر متبرج لا ذوق فيه .
- يراودنني يخطبن ودي : يراودن الشاعر / الشعر / التراث الأصيل / يردن أن يكون لهن فيه سهم أو نصيب أو حضور ما .

ويختم الشاعر هذا المقطع في هجاء هذا النوع من المارقين ، بأنه لا يقبل منهن مراودتهن له / للتراث / للأصالة ، لأنه لا يستطيع أن يتجاوز عما نثرن من الملح على الثرى / نثر الملح على التراب : تبذير لنعمة من نعم الله ، استهتار بالنعمة ، بما يجعل للأشياء طعمها ، فالملح سرّ الطعام وأساس الذوق فيه . وهو كناية عن كون إنتاجهن بلا طعم ، بلا نكهة . فهو في منزلة عادية من الأدب ( في أحسن الظروف )كما هو الرجل : لم يصبأ / لم يكفر ، ولم يتصوف / لم يدخل في مرحلة عالية من الروحية والإيمان ، وإنما كان من عوام المسلمين .
لذلك يدعوهن إلى المغادرة ، والاختفاء كما يختفي الليل / العتمة ، حتى يتركن المجال للندى / الحياة ، النقاء ، أن يعزف / يقول الشعرفي أول الصحو / فجر اليوم ، بدء الحياة ، مخاطباً إياهن بـ ( نسوة الوهم ) ، وهو انسجام مع وصف ( نصل الوهم ) الذي يحملنه .

هذه الشريحة من المارقين ، من الأدعياء في هذا العصر ، اتسعت مع انفتاح أبواب الصحافة والنشر بمختلف أشكاله ، فلم يعد هناك مكان للرقابة أو المتابعة أو النقد الجاد ، فهان الأمر ، وكثر الغث ، غث الرجال والنساء من أدعياء الشعر والأدب .


المقطع السابع
القطن

 

ويوم ركبتُ البحرَ، زمجر  غاضبـاً
وأصغت رمالُ الشاطئ  المتخـوّفِ
 
وإذ مدعٍ للشعـر  يرسـم  ظلّـه
ويربو على عيني كقطـنٍ  منـدّفِ
 
يسائلني:من أنت؟ قلت له:السمـا
أنا الشاعر الأعلى وغيري هو الخفي
 
أسيـر وابنـي للجمـال منـازلا
على إثرها طـار الغبـار ليقتفـي
 
وأنسجُ من فنّـي لكـل  فراشـةٍ
بساتيـن زيتـونٍ وتيـنٍ مقطـفِ
 
وأشعل فوق الماء ناري، وإذ  بهـم
يغوصون في مائي ويخفون  مجدفـي

 

الشريحة الثانية : القطن المندف
من هو القطن ؟ أو شبيه القطن المندف؟؟
إنه مدعي الشعر / الجاهل به .

 


كما أرعد ( امرؤ القيس ) / التراث في المقطع الثاني من القصيدة غاضبا ً إذ باشر الشاعر رحلته ليوفي ما بدأه في المقطع الأول ، يزمجر البحر ( = الطويل ) في هذا المقطع ، غاضباً حين يركبه الشاعر ( = يبحر فيه / يكتب على وزنه ) .
ويأتي تصوير الشاعر لغضب هذا البحر من بحور الشعر من باب كونه سيد بحور الشعر العربي ، إذا جاز التعبير ، فهو الأكثر استعمالاً في الشعر العربي القديم خاصة ، والعربي عامة، وذلك لما يكتنزه من الخصائص الموسيقية والحركات المتعددة والقابلية للإسهاب والوصف من خلال إمكانيته المتعددة .
وليس كل من كتب الشعر أو قاله يتمكن من الاقتراب من هذا البحر ، دع عنك الإبحار فيه وإطالة السفر .
ولذا يصوره الشاعر هنا غاضباً ، في تحدٍّ للشاعر ، حتى أن رمال الشاطئ المتخوف / بر الأمان خارج إطار الكتابة وقبل الدخول إليها أصغت تنتظر .

هذا الموقف المهيب استدعى الصورة التي تلي :

حين زمجر البحر وأصغى الكون , برز من لا وزن له ولا قيمة ( = مدّعٍ للشعر ) ، هكذا يورد الشاعر الوصف
بكل مباشرة ووضوح ، ودون محاولة للاختفاء وراء صورة رمزية ما ، ( = مدّعٍ للشعر ) ، يذكره الشاعر بالوصف المباشر ولا يعطيه حتى مجرد رمز ، إمعاناً في تتفيه أمره وتعرية موقفه .
ولا يكتفي بذلك ، بل يجعله ( يرسم ) ظله / فهو لا ظل له لأنه لا وجود له أصلاً في اعتبار الشاعر ، لذا يرسم لنفسه ظلاً ليدل على حضوره التافه .
ويمعن الشاعر أكثر في إبراز عدمية تأثير هذه الشريحة ، فيجله : يربو / يتكاثر على عين الشاعر / مدى رؤيته ، كقطن مندوف / كناية عن هشاشته وخفة وزنه ، فما أسهل أن تزيله هبة ريح خفيفة .
هذا ( ال/ لاشيء ) : أصغى مع من أصغوا إلى زمجرة البحر ( = الطويل ) الغاضبة ، فانبرى يسائل / يسأل الشاعر في لهجة المحاكمة والمحاسبة والتحدي : من أنت ؟ مستهزئاً بقدرته على الإبحار في هذا المدى المتلاطم من الموج الفني العالي المستوى ، أو منكراً على الشاعر هذه الجرأة ، أو مستغرباً هذا الإقدام . ( اختر ما شئت ) .

ولإبراز مدى تفاهة هذا المدعي بالقياس لما هو الشاعر الأصيل ،تأتي إجابات الشاعر المتتالية على هذا التساؤل ، مصورة حقيقة الشاعر الأصيل :

أنا :
- السما : الارتفاع والعلو .
- الشاعر الأعلى : ذو المرتبة الأولى بين الشعراء .
- وغيري هو الخفي : الذي لا يكاد يبين ولا يعترف به الشعر .

فشعراء الأصالة الحقة ، الذين أدّاهم لنا تاريخ الأدب العربي لا يكادون يعدون بالقياس إلى كمية من قالوا الشعر في هذه الأمة عبر قرونها ،وإن بدا أنهم كثر ، لكنهم في الحقيقة قلائل بالقياس إلى أمة يسري فيها الشعر مسرى الدماء ، إلى الدرجة التي جعل الله تعالى معها كلامه العزيز في القرآن الكريم تحدياً لبلاغتها وشعرائها .

وهذا الشاعر الأصيل :

- يسير ولا يقف عند حد .
- يبني ولا يهدم .
- للجمال وليس للقبح .
- منازل / كيانات ومواقع واضحة وذات هندسة معينة ، وليس مجرد خربشات لا معنى لها .
- هذه المنازل تناثر الغبار بعدها ، متتبعاً ، يحاول التقليد ، ولكن ، هيهات !!
- ينسج ، مثل يبني ، النسج صناعة معقدة ، تنتج من مجرد خيوط ، ثياباً ذات شكل ومعنى .
- وهو يبني وينسج ،من فنه ، لا من خباله وفراغه ، لكل فراشة / لكل متلقٍّ متذوق للجمال ، كما الفراشة في تذوقها لجمال الطبيعة ، بساتين زيتون وتين مقطف / زيتون وتين : كناية عن جدوى ما يقدمه الشاعر من نتاج ومنفعته ، وليس مجرد نبت عقيم .
- يشعل ( الإشعال فعل حيوي إيجابي ) فوق الماء النار / على الرغم من التضاد بين الماء والنار ، غير أن الشاعر يرمز بذلك إلى مدى قدرته على تحقيق ما قد يبدو مستحيلاً ، وذلك من خلال العملية الإبداعية .

ومع كل ذلك ، يجروء الأدعياء على الغوص في ماء الشاعر / التعدي على حرمة عالمه الإبداعي ، وينسبون ما استطاعوا السطو عليه منه إلى أنفسهم ، ويخفون مجدافه ( = قلمه / اسمه / حقيقة انتماء ذلك الإبداع إلى صاحبه ) .

شريحة أخرى من المارقين يواجهها الشاعر في هذا المقطع ، من خلال وصفه لعلاقته ببحره وتراثه ، وعرضه لميزات الشاعر الأصيل كما قدمها لنا .




المقطع الثامن
الجدار المكتف

 


يثرثرُ هذا الليلُ، لكن  بلا  صدى
فتحسبه مثل  الجـدار  المكتّـفِ
 
يميلُ عليه الغصنُ وهو  ولا  هنـا
فمن مظهرٍ هشٍ لبطـنٍ  مجـوّفِ
 
وتعبره الكلماتُ ، تسكب وجدها
عليه، فلم يصـغِ ولـم يتكنّـفِ
 
يموت على مرأى الشجيراتِ واقفاً
وإن كان للجنِّ الحصافة  تعـرفِ

 

الشريحة الثالثة : الجدار المكتف
من هو الجدار المكتف ؟
هو المتلقي الجاهل في تقديري
.


في هذا المقطع يعرض لنا الشاعر شريحة أخرى من المارقين ، هو ( المتلقي الجاهل ) أو القارئ المفترض لما يُكتب ويُنشر من الشعر ، وخاصة الشعر الجيد المتميز منه في هذا العصر .
وهذا الأنموذج ينضم كسابقيه إلى عالم العتمة ، فأول ما يوصف به هنا أنه ( الليل ) ، فهو من الجانب المضاد للنور / الذي يمثله الشاعر هنا في هذه القصيدة ، بما يدافع عنه من أصالة وما يتبناه من اتجاه نحو التراث .

ويثرثر ( كلامه فارغ ) هذا الليل / العتمة ، ولكن لا جواب لثرثرته ، فحتى الصدى لا يجيبه ، فلا يكفي أنها ثرثرة فارغة ، فكذلك لا صدى لها ، ولا أثر ولا استجابة .

ويعمق الشاعر الصورة المظلمة أكثر ، فيجعله ( مثل الجدار المكتف ) :

- الجدار : وحدها هذه تعبر عن مدى جمودية هذا الأنموذج وصلافته ، . ولمزيد من الهجاء ، فهو :
- المكتف : وليس المتكتف ( باختياره ) ، فتكتيفه خارج عن إرادته ، إنه مسلوب الإرادة حتى في أن يختار أن يتكتف . والمكتف لا يستطيع حراكاً ، فكيف إن كان مع ذلك جدارا ً ؟؟
( جدار مكتف يثرثر بلا صدى ) = صورة بائسة لشريحة من البشر يفترض فيها أن تكون جمهور الشعر الجميل المتفاعل معه ‍‍

كيف عرفنا أنه قد يقصد بهذا الأنموذج هذه الشريحة ؟

في الأبيات التي تلي ، يصف الشاعر رد فعل هذه الشريحة على ما تتلقاه من الفعل :
يميل عليه الغصن / تعبره الكلمات / تسكب وجدها عليه / يقترب منه الشاعر ، يوضع الشعر بين يديه ، يلقى عليه الشعر بكل ما فيه من الوجد والحرارة والانفعال . فما هو رد فعله ؟؟

- وهو ولا هنا : لقد أسمعت لو ناديت حياً .
- فمن مظهر هش لبطن مجوف : كالطبل ، هشاشة على فراغ .
- فلم يصغ ولم يتكنف : لا يسمع ، ولا يرفض السمع ( يتكنف : يحيط نفسه بما يحفظه ويمنعه من التأثير عليه / سلبي مطلق !!

مجرد حضور باهت ، كأنه غير موجود أصلاً . حتى في موته / غيابه ، لا يدري به أحد ، ويستعير الشاعر لإبراز هذه الصورة من قصص القرآن الكريم مشهد موت سيدنا سليمان عليه السلام دون أن تعلم الجن بذلك ( = وإن كان للجن الحصافة تعرف ) .
يموت على مرأى الشجيرات واقفاُ / يغيب ، و الحياة ( الشجيرات ) مستمرة حوله ، ولا يدري بغيابه أحد ، كما لم تعرف الجن بموت سيدنا سليمان ( لأنها لا تعلم الغيب ، كما يعلمنا الحق عز وجل ) .

تصوير معبر لفئة من الناس تدعي علاقة بالشعر ، والشعر منها براء !!


المقطع التاسع
الأعمى

 


ورب كفيفٍ قـام يأتـزر المـدى
فليـس بمستـورٍ ولا  متكشّـفِ
 
أراقبه قد أغـرق الظـلُّ  رأسـه
ويحسبُ أن الليل أعـلاه ينكفـي
 
يسير ولا يدري إلى أيـن  ينتهـي
وإن حطّ رجلا في لظى النار يرجفِ
 
سمعتُ ورائي الدربَ  يلهثُ  منهكاً
أمـدُّ لـه حبـلاً فلـم يتلقـفِ
 
وما زادنـي الناعـون إلا  تألقـاً
وما ربحـوا إلأ شهـادة  مجحـفِ
 
وما أطفئوا شمسي ولا جمدوا دمـي
ولا أوقفوا مدّي ولا لان  موقفـي

 


الشريحة الرابعة : الأعمى
من هو الأعمى ؟
هو الناقد الجاهل


بقيت فئة أخيرة من قوافل ( المارقين ) ، فئة هي معضلة الشعر خاصة ،والأدب عامة في هذا الزمن ، تلك هي فئة
( النقاد ) ، أدعياء النقد في زمن أدعياء الشعر و مدعياته ، وجمهور المتلقين الذين يغلب عليهم الجهل وغلظة الحس واللامبالاة بهذا الفن الرفيع .

الأعمى : عنوان هذا المقطع ، يفرد الشاعر الوصف فيه بما يوجع القلب ويؤلم النفس :

- كفيف قام يأتزر المدى / ليس لديه الكفاءة ، ولا المقدرة ليفعل ما يريد أن يفعل بإتقان ، لانعدام البصر عنده ، فهو إذ يأتزر لا يتقن وضع الإزار ، فلا هو يستر نفسه كاملاً ، ولا هو يكشفها كاملا ً ؛ مشهد مضحك يصور من خلاله الشاعر ناقداً يتصدى لعملية النقد ( = المدى ) دون أن يمتلك أدوات النقد وثقافة الناقد (=كفيف ) ، فيأتي عمله النقدي ناقصاً ، فلا هو أجاد ولا هو أخفق ، مجرد فعل ، فاعتور فعله النقص وجاء مهزلة .

- أغرق الظل رأسه فحسبه ليلاً / عدم القدرة على التمييز بين ظل وليل ، يعني الشاعر بذلك أن مثل هذا الناقد تختلط عليه الأشياء إذا تشابهت في ملمح ما ، فيغرق في تفسيرات و تأويلات لأشياء واضحة حتى يحيلها بحراً من الغموض بدلاً من كشف رمزيتها الشفافة … ربما !!

- يسير ولا يدري إلى أين ينتهي / لا يوجد عنده منهجية واضحة وهدف محدد يسعى إلى تحقيقه ، إنه يحطب في ليل وحسب .

- وإن حط رجلاً في النار يرجف / لا يميز بين الأشياء ( مرة أخرى !! ) ؛ تكثيف آخر لصورة هذا الجانب منه ، فهو يرجف
( والرجف يكون من البرد ) إذا وضع رجله في النار .

وإذا كان عدم التمييز بين الظل والليل يمكن أن يُحتمل باعتبار وجود عامل مشترك بينهما من اللون ، فإن عدم التمييز بين النار والبرد مأساة لا تُحتمل !!

ومما يؤكد لنا أن الشاعر يتحدث عن النقاد هنا قوله : ( سمعت ورائي الدرب يلهث منهكا ً ) ، فالمعروف أن الناقد يتبع الشاعر ، فالشاعر يبدع ثم يأتي بعده دور الناقد ،يتعقب إبداعه بالدرس والنقد والتحليل .
لكن هؤلاء النقاد الذين يصفهم الشاعر في هذا المقطع ، يلهثون وراءه منهكين ، فهم لا يدركونه ولا يلحقون به ولا يجارونه ، لهزال ما عندهم من إمكانيات .
ومع ذلك يحاول الشاعر مساعدتهم ( أمد له حبلاً ) ، يعطيهم مفاتيح لشعره ، يمهد لهم سبيل الدخول إلى عالمه
إلا أنهم لا يأخذون منه ( لم يتلقف ) ، ربما لعنجهية عندهم ، أو ربما لعمى البصيرة الذي ( يتمتعون ) به .
يختم الشاعر هذا المقطع بنتيجة الصراع مع هذه الفئة البائسة ؛ المزيد من التألق للشاعر ، والخسران المبين لخصومه :

- فمازالت شمس الشاعر مشرقة / حقيقته ، أصالته .
- ومازال دمه يجري حياً متدفقاً / مشاعره وأفكاره .
- ومازال مده سائراً / شعره وعطاؤه .
- ومازال موقفه صلباً لا يلين / في جانب الأصالة والتراث .

عرض جميل زاخر بالصور الفنية الممتعة ، لفئات من المارقين على عالم الأصالة في الشعر في هذا العصر .

( وللبحث صلة إن شاء الله )


رؤية في معلقة الصلهبي : ( بين يدي امرئ القيس )

 

 


الحلقة السادسة
الخاتمة

 


حبيبة ما للقلب يغرقُ فـي الهـوى
وماللتـي تشقيـه لـم تتعـطّـفِ
 
ومـا زاده التغريـد  إلا  صبابـة
فيمسي على نور ويصبحُ  منطفـي
 
وقلبي... خذي قلبي فإن به جـوى
لعل بـه إن ذاق حبـك يشتـفِ
 
حبيبة لولا الحب ما  أعشب  الثرى
ولا اخضلّ عودٌ في الهجير بصفصفِ
 
ولولا أريجٌ بالتسامحِ مـا  زهـت
به الزهر أو فاح  العبيـرُ  لمتـرفِ
 
ولا عطفت شمسُ النهارِ على  الدنى
ولا غنّى طيرٌ فوق غصنٍ  مُظلّـفِ
 
ألم تر أن الليل يخلعُ معطف  الـنـ
ـهارِ ، وكم يحلو  اللقاء  لمدنـفِ
 
وتدفـنُ ذرات التـرابِ بجوفهـا
أنيناً وتزهـو باخضـرارٍ مفـوّفِ
 
ويُسقطُ هذا النهرُ في البحرِ نفسـه
قتيلاً ، ورغم الملـحِ لـم يتوقّـفِ
 
وتغسلُ أمطـار الربيـع  قرنفـلاً
ولكن عشب الوهم لـم يتنظّـفِ
 
ويفتحُ قلبُ الوقتِ بابـاً لسعدنـا
فنقفلـه كالجاهـلِ  المتعـسّـفِ
 
تهوهي كلاب الليل كي تطرد السنا
فتنشره في كلِّ كهـفٍ  مُسجّـفِ
 
ولكنهـا الأيـامُ تقتـلُ  بعضهـا
وتبذر بعد الحب نبـت  التعـوّفِ
 
ومن أسفٍ في النفس أجهل ما أرى
وأترك ما استجفى وأعلم ما خفـي

 


استمراراً لحال التناقض الممتدة عبر القصيدة بين الشاعر والآخر ، تأتي الخاتمة وكأنها تلخص هذا الصراع الذي لا يريد أن ينتهي .
وكما لحظنا ، فإن الشاعر يعبر عن الجانب الإيجابي ممثلاً بالشمس / النور / الجمال / السما / .. وغير ذلك من العناصر الخيرة والمضيئة في الحياة ، في حين أنه يصور لنا الجانب السلبي ممثلاً بالليل / العتم / الكفيف / نسوة الأوهام / الجدار المكتف / المجحف .. وغير ذلك من العناصر المؤذية والمظلمة في الحياة .

والذي يبدو أن الشاعر لم يزل لا يشتفي من متابعة هذا الصراع ، فهو يعود في بداية هذا المقطع ليخاطب الحبيبة / ليلى / القصيدة / ، شاكياً من حالين :

فالقلب يغرق في الهوى / يزداد إمعاناً في الرغبة ليبوح لنا أكثر بهذا الهم الذي يثقل كاهله / هم الشعر / الأصالة / التراث .
والتي تشقيه لم تتعطف / القصيدة التي يشقى ببنائها في سبيل معالجة هذا الهم ، لا تريد أن تتوقف .

فلا هو يكتفي ، ولا هي تنتهي ..

إنه ظامئ لا يرتوي ، كلما نهل ، ازداد ظمأً . . وهذا ما يقوله لنا في البيت الذي يلي ، معمقاً بذلك هذه الصورة :

وما زاده التغريد إلا صبابة ً / ما زادته الكتابة إلا لهفة وشوقاً للاستمرار .
فيمسي على نور ويصبح منطفي / يمكن أن نفترض الأمر على ظاهره هنا ، وهو أن الشاعر يمارس الكتابة ليلاً ، ويستمر حتى الصبح ، أو قريباً منه مثلاً ، باذلاً ما شاء الله له من الجهد والعناء في بناء قصيدته ، استجابة لصبابته / لهفته إلى الكتابة .

أو : أن نقول إنه يمتد بين الحدين إذ يستجيب لصبابته ؛ واختيار المساء والصبح ليس إلا اختياراً أملاه المعنى الزمني المراد للتعبير عن مرور وقت طويل في استنزاف الفكر والشعور للكتابة ، فهو يبدأ بالنور / الانفتاح / الانثيال ، وينتهي بالانطفاء / الإغلاق / التوقف : منتهى التعب .

وأياً كان الأمر ، فالمراد تعميق صورة : ( هو لا يكتفي >< هي لا تنتهي ) وتوسيعها . ثم هو يعلن الاستسلام لهذه الحبيبة / القصيدة ، لعل ذلك يمنحه الراحة والهدوء :

خذي قلبي / تنازل كامل عن كل ما عنده من اندفاع وحب وشهوة للكتابة ، إلى الحبيبة / القصيدة ، وانغماس كلّيّ في كينونتها ، لعله ، إذا امتلكته واستخرجت كل ما عنده ، يذوق حلاوة الوصال الذي وفت وعدها به في بدايتها ، وقد يشتفي ، إذ لم يكن قد اشتفى عندما بدأ .

لعل : ما زال متشككاً في أنه قال كل ما يريد أن يقول !!

ويبرر الشاعر كل هذه الرغبة في العطاء ، بالحب .
والحب هنا ليس بمفهومه المحدود في العواطف المتبادلة بين الرجل والمرأة ، بل بالمعنى الإنساني العام الشامل ، وهو الأنسب في هذا الموضع ، لأن الشاعر لا يخاطب امرأة هنا ، بل يخاطب ( القصيدة / الفكرة / الشعر ) ،
مرموزاً لذلك كله بالمرأة :

فـ بالحب /


يعشب التراب ،
ويخضل العود على الرغم من شدة الحر في الأرض الفلاة ،
ويتضوع الزهر بالأريج ،
وتعطف الشمس على الدنيا ( التي لا تستحق العطف / حسب السياق هنا ) ،
ويغني الطير على الغصن المظلف ( = الغليظ / الجافي ) ،
ويحلو اللقاء حتى في الليل ( الذي يخلع معطف النهار / بما جسد به الشاعر الليل من معان سلبية في القصيدة ) ،
وتدفن ذرات التراب أنينها ، لتخضر بالحياة ،
ويستمر النهر ( العذب المياه ) في جريانه إلى البحر ( المالح المياه ) حتى وهو يموت هناك / يفقد عذوبة مائه ،
ويغسل مطر الربيع القرنفل ، وإن ظل عشب الوهم ( سلب ) على اتساخه ،
ويفتح قلب الوقت أبواب السعادة لنا على الرغم من تجاهلنا لذلك بإقفالها جهلاً وظلماً ،
وينتشر السنا في كهوف الظلام على الرغم من نباح الكلاب لطرده .

تتالٍ سريع من الصور المعبر عن معنى عام واحد ، في تكثيف متعمد من الشاعر لفكرة الصراع بين الموجب والسالب في الحياة عامة ، وعالم الشعر والشعراء خاصة ، بتركيز عالٍ على مدى خيرية عطاء الجانب الإيجابي على الرغم من كل شرّيّة الجانب السلبي ، ومع ذلك ينهي الشاعر هذا الصراع لصالح الجانب السلبي بكل ألم وأسف /

فـ الأيام تقتل بعضها : يمر الزمن قاتلاً ملامح الجمال والحب والعطاء الخيّـر في النفوس
وتبذر بعد الحب نبت التعوف : تبذر / تنشر في الأرض ، نبت التعوّف / الكراهية .

فيعلن الشاعر في المحصلة موقفه النهائي هنا :

أجهل ما أرى / حيرة كاملة مطلقة من هذا الصراع العجيب الذي يجب أن ينتهي لصالح النور ، ومع ذلك تأتي نتائجه بما يجعل الحليم حيرانا ً .
وأترك ما استجفى / أهجر كل ما هو سالب ومؤذ .
وأعلم ما خفي / أبقى على يقظة وصحو دائمين مستعداً لمواصلة الصراع حتى النهاية إن لزم الأمر !

والحقيقة أن هذه الخاتمة ، على ما فيها من إحباط وتسليم بالواقع المرّ الذي نعايشه في عصرنا هذا على جميع المستويات ، إلا أنها لا تزال تنبض بروح وثابة وهمة عالية ، بما عبأه الشاعر فيها من صور العطاء الخير الذي لا يأبه برد فعل الجانب السالب ، ذلك أن طبيعة الخير هي العطاء بصرف النظر عن استجابات الآخرين .

( وللبحث صلة إن شاء الله )


نزار
رؤية في معلقة الصلهبي : ( بين يدي امرئ القيس )


الحلقة السابعة والأخيرة
( شذرات )


بقي في النفس شيء من معلقة الصلهبي . فمع كل هذا الاستغراق في قراءتها ، لم أشعر أنني ( اشتفيت ) منها ،وهي ذلك النص المفتوح على جملة من التأويلات والقراءات .

 لماذا• اختار الشاعر امرأ القيس ليكتب قصيدته بين يديه ؟

امرؤ القيس كما نعلم ، أمير عربي ، اختار أن يخرج على العرف الملكي باحترافه الشعر ، وانسياحه بين أحياء العرب ، مختاراً حياة الصيد والمغامرة ، باحثاً عن الأمان في عالم المرأة ، مغترباً بذلك عن بيئته الملكية التي نشأ فيها . ومع ذلك لم يحمل أحد من إخوته همّ الثأر لأبيهم عندما قُتل ، بل حمله هو ،وسعى فيه أي سعي وفاءً له بالحق على أن أباه تبرأ منه ، فقال امرؤ القيس قولته الشهيرة :
( ضيعني صغيراً وحملني دمه كبيراً ) ، وانتهى به الأمر كما نعلم إلى الفشل والضياع ، بعد حياة صاخبة مليئة بالتنقل والغربة والمغامرة والنساء .

ولعل ما واجهه امرؤ القيس من قسوة الحياة في صراعه معها ، وملأ به شعره كما وصل إلينا ، منح الشاعر هنا شعوراً بالتعاطف معه ، خاصة أن امرأ القيس كان يعيش حياته دون تزييف ، كما أرادها أن تكون ، وحين وُضع على المحك في الثأر لأبيه ، لم يتردد ولم يجزع ، وقام إلى ذلك على الرغم من قلة حيلته ، وضعف إمكانياته .

فهل كان شاعرنا يتقمص جانب المغامرة والدفاع عن الحق من ملامح شخصية امرئ القيس ،وهو يكتب قصيدته ؟؟

 كم تأثر الشاعر بمعلقة امرئ• القيس ؟

مع أن الشاعر هنا اختار لقصيدته ، أو اختارت له قصيدته ، حرف رويّ مختلف عن حرف رويّ المعلقة ،وهو حرف ( الفاء المكسورة ) ، إلا أنه اقتبس بعض الصيغ الأسلوبية من المعلقة وضمّن قصيدته استعمالاً لها ، كمثل قوله :
ويوم دخلتُ الشمسَ .. = ويوم دخلتُ الخدر َ ( عند امرئ القيس )
تقول وقد حطت… = تقول وقد مال ( عند امرئ القيس )
فقلت لها غوصي … = فقلت لها سيري ( عند امرئ القيس )

هذا إلى ما ساد القصيدة من أسلوب السرد والاستطراد بين المواضيع التي تبدو في ظاهرها لا علاقة لها ببعضها بعضاً ، إلا أن هناك خيطاً خفيّاً متيناً يربط ما بينها على نحو ما تم بيانه في الحلقات السابقة . وهو ما توصل الدارسون المحدثون إلى إثباته في معلقة امرئ القيس ( أعني وحدة القصيدة في بنيتها العميقة ) على ما يبدو من تباعد أفكارها وتشتت مواضيعها ظاهرياً .

شيء سيظل في خاطري لم أستطع مقاربته ، لاتساع مجال البحث فيه بسبب حجم القصيدة ، ذلك هو التركيب الصوري الرائع فيها ،وما بذله الشاعر من جهد خلاق في بنائها فنياً ، ليحقق فيها التماسك والوحدة العضوية شبه الكاملة . ولعل هناك من يجد الوقت والجهد والقدرة لفعل ذلك ، فالقصيدة غنية بالجوانب الفنية المتعددة .

أخيراً : لقد كان لي في قصيدتك يا حسن جهد المقلّ ، حقيقة ً ، ولا أحاول أن أتواضع ، فلو كان في الوقت اليومي فسحة من الحياة ، لكان لي معها وقفة أخرى وحديث آخر .

شكراً للجميع على صبرهم وتحملهم إطالتي ، وثقل ظلي !

وإلى لقاء آخر إن شاء الله

أنكر إحجامي عن الدخول في هذا العالم الصلهبيّ الملامح .. لفقر أدواتي أولاً .. ولعمق شاعرنا ثانياً .. ولمجيء الياسري بعد أعلام أزاهير ممن دخلوا هنا ثالثاً.. ولكن لا بأس أن أقف قليلاً على النص بما أرى وأشعر ومن خلال قراءة معمقة للقصيدة استمرت لأسابيع .. وجدتني أمتلك بضع فقرات قد تكون مفيدة للموضوع .. وقد لا تكون وما عليّ سوى السعي والله الموفق ..



Twitter! Facebook! Digg! StumbleUpon! Del.icio.us! Google! Live! Reddit! Technorati! MySpace! Yahoo!  
آخر تحديث ( الجمعة, 09 أبريل 2010 23:40 )  
لافتة إعلانية